محمد حسين هيكل

186

حياة محمد ( ص )

الفصل الخامس عشر غزوة أحد استعداد قريش بمكة - خروجها للغزو - كيف علم به محمد - تشاور المسلمين في التحصن بالمدينة أو الخروج لملاقاة العدو - انتصار المسلمين ثم هزيمتهم - خروج النبي من المدينة غداة أحد ليلحق بالمنتصرين فيغزوهم - عودة أبي سفيان وقريش إلى مكة . تحين قريش للثأر من بدر لم يهدأ منذ بدر لقريش بال ، ولم تغنها غزوة السويق شيئا ، وزادتها سرية زيد بن حارثة التي أخذت تجارتهم حين سلوكها سبيل العراق إلى الشام حرصا على الثأر واذّكارا لقتلى بدر . وكيف لقريش نسيانهم وهم أشراف مكة وساداتها وذوو النخوة والكرامة من كبارها ! وكيف لها نسيانهم وما تزال نساء مكة تذكر كلّ منهن في القتلى لها ابنا أو أخا أو أبا أو زوجا أو حميما ، فهي له تتوجّع وعليه تبكي وتولول ! هذا ، وكانت قريش - منذ قدم أبو سفيان بن حرب بالعير التي كانت سبب بدر من الشام وعاد الذين شهدوا بدرا وسلموا من القتل فيها - قد وقفت العير بدار الندوة ، واتّفق كبراؤها : جبير بن مطعم وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وحويطب بن عبد العزّى وغيرهم ، على أن تباع العير وأن تعزل أرباحها وأن يجهّز بها جيش لقتال محمد ، جرّار في عدده وعدّته ، وأن تستنفر بها القبائل ليشاركوا قريشا في أخذهم بالثأر من المسلمين . وقد استنفروا معهم أبا عزّة الشاعر الذي عفا عنه النبيّ من أسرى بدر ، كما استنفروا معهم من اتّبعهم من الأحابيش . وأصرّت النسوة من قريش على أن يسرن مع الغزاة . فتشاور القوم ؛ فمن قائل بخروجهن ، « فإنه أقمن أن يحفظكم « 1 » ويذكركم قتلى بدر ، ونحن قوم مستميتون لا نريد أن نرجع إلى دارنا حتى ندرك ثأرنا أو نموت دونه » . ومن قائل : « يا معشر قريش ! هذا ليس برأي أن تعرضوا حرمكم لعدوّكم ، ولا آمن أن تكون الدّبرة « 2 » عليكم فتفضحوا في نسائكم » . وبينما هم يتشاورون صاحت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان بمن يعترض خروج النساء : « إنك واللّه سلمت يوم بدر فرجعت إلى نسائك . نعم تخرج فنشهد القتال ، ولا يردّنا أحدكما ردّت الفتيات في سفرهم إلى بدر حين بلغوا الجحفة « 3 » فقتلت الأحبّة يومئذ أن لم يكن معهم من يحرّضهم » . وخرجت قريش ومعها نساؤها وعلى رأسهن هند وهي أشدهن على الثأر حرقة ، أن قتل يوم بدر

--> ( 1 ) يحفظكم : يغضبكم . ( 2 ) الدبرة ( بفتح الباء وتسكن ) هنا الهزيمة . وتكون أيضا بمعنى النصر . ( 3 ) الجحفة : موضع على طريق المدينة من مكة على ثلاث أو أربع مراحل من مكة ، وهي ميقات أهل مصر والشام .